ذاكرة الجسد بين الرواية والمسلسل

Publié le par Sanaa ZAOUI

من منا لا يعرف ذاركة الجسد فمن لم يعرفها رواية، قد عرفها مسلسلا في شهر رمضان المنصرم بالتأكيد وهي راوية لأحلام مستغانمي صاحبة الثلاثية الشهيرة ذاكرة الجسد، فوضى حواس وعابر سرير، متحصلة على دكتوراه في علم الإجتماع من جامعة باريس بدرجة ممتاز وتحت إشراف المستشرق جاك بيرك.

تدور أحداث كل من الرواية وكذا المسلسل بين قسنطينة وباريس وقصة حياة فتاة في مقتبل العمر والتي تذهب إلى باريس لمتابعة دراستها وتتعرف بالصدفة على خالد بن طوال في معرض للو حات وهو رسام بارع لا يرسم سوى جسور قسنطينة، كان مجاهدا وبتر ذراعه إثر انفجار قنبلة على يده في أحد الإشباكات التي جمعت الجيش الفرنسي بالمجاهدين الجزائريين أيام الثورة المجيدة، فتقدم حياة نفسها على أنها ابنة السي الطاهر وهو قائد خالد إبان الثورة التحريرية الجزائرية والذي استشهد سنوات قليلة قبل الإستقلال وعندما أصيب خالد ونقل للعلاج في تونس أوصاه السي الطاهر بتسجيل حياة التي كانت حديثة الولادة في سجلات البلدية فروى خالد كل هذا لحياة وقال لها بأنه هو من سجلها في دار البلدية باسم حياة الذي اختارته لها جدتها لأبيها الما الزهرة.

فتطورت العلاقة بينهما ليقع في حبها ويغرم بها حد الجنون ولكنها لم تكن تبادله نفس المشاعر، هي كانت منبهرة لعضمة ما قام به إبان الثورة ولأنه يعرف الكثير عن السي الطاهر ذلك الأب الذي لم تعرف هي عنه الكثير، لأنها وجدت فيه صورة الأب وعاطفته التي فقدتها مبكرا.             

وتتوالى الأحداث والوقائع وتتعرف حياة عن طريق خالد بصديقه زياد وهو شاب فلسطيني عاش فترة من حياته في الجزائر وكان يدرس هناك، وبعدها تخلى عن مهنته وخطيبته ليلتحق بالمقاومة الفلسطينية ويستشهد في الأخير.

تتمازج كل المشاعر من غيرة، إلى حب إلى كره إلى انتقام في حياة ذلك الرجل خالد.

فيدخل سي الشريف عم حياة في أحداث القصة ويقنعها بالزواج بالسي مصطفى وهو صديق له ورجل دولة استغل تاريخه في الجهاد في صفوف الثوار الجزائريين ليصير صاحب النفود والعلاقات الواسعة، فتزوج حياة من ذلك الشخص الغريب ويصبح خالد ضائعا من دونها ويعود إلى الجزائر ليمكث فيها إلى الأبد، أما لوحاته فيهديها لصديقته الفرنسية كاترين وهكذا كانت النهاية، فيما يخص الرواية.

أما بالنسبة للمسلسل فمنتقدوه أكثر ممن أعجوا به ذلك لأنه لم يلق الرواج المنتظر منه، فالأحداث نفسها والشخصيات نفسها لكن طريقة حبكة الأحداث لم تكن ناجحة.

يجسد شخصية خالد بن طوبال الفنان السوري جمال سليمان ولقد أدى دوره ببراعة مذهلة، ومثلت شخصية حياة الفنانة أمل بوشوشة جزائرية الأصل متخرجة من برنامج ستار أكديمي اللبناني، وهو العمل الذي جسد باللغة العربية مع إدخال بعض الكلمات من اللهجة الجزائرية، لكن ولسوء الحظ لم تكن تلك الكلمات صادقة وإنما اتسمت بنوع من التصنع نظرا لأن البطل سوري الأصل وكذا الشخصيات الأخرى كحسان وعتيقة وزياد فمنهم السوري والتونسي، أما بالنسبة للجزائريين فقامت بهية راشدي بدور أما الزهرة وهو دور ثانوي وقام عبد النور شلوش بدور سي الشريف عم حياة، تم إخراج المسلسل من قبل نجدة اسماعيل أنزور وهو مخرج سوري تم التصوير بين الجزائر وفرنسا، أما بالنسبة للكاتبة أحلام مستغانمي فهي لم ترض عن هذا المسلسل بعد عرضه وصرحت في أكثر من مناسبة بأنها لم تكن تريد أن يصور بهذا الشكل.

وعند تحليل نقدي للمسلسل يمكن اسنتاج أنه لم يتم استغلال الأحداث بشكل ممتع، فالقصة في حقيقة الأمر تنتهي عندما تتزوج حياة من السي مصطفى الذي يرشحه لها عمها، لكن المسلسل وضف هذا الحدث في الحلقة الخامسة عشر أي نصف المسلسل وبعدها أصبح المخرج يتماطل في الأحداث فلقد وقع نجدة اسماعيل أنزور في فخ المط والتطويل واختار نهاية فوق جسر قسنطينة، حيث ظهرت أحلام مستغانمي وهي ترتدي اللباس التقليدي القسنطيني، وتسلم ذاكرة خالد بن طوال منه شخصيا، ففي حقيقة الأمر لم تكن النهاية مرضية للمتفرج العربي الذي يحمل صفة النقد بطبيعته، حيث أن هذه النهاية كانت مفبركة ومصطنعة إلى درجة كبيرة.                                 

فمع كل ذلك التسوق لمتابعة عمل بتلك الضخامة، إلا أن النهاية حسمت في الحلقة الخامسة عشر ولم تكن للحلقات الأخرى أية أهمية، بل وصفها البعض بأنها تافهة فحسان أخو خالد توفي وحياة تزوجت وزياد استشهد ولم يبقى سوى خالد حاملا لذاكرته ويتجول بها في جسور قسنطينة ليصفها بين أيدي أحلام مستغانمي في الأخير.

وبين من أحب المسلسل وبين من لم يحبه، أجمع الكل على أن الرواية أكبر بكثير من المسلسل من كل الجوانب سواءا البساطة أو من حيث تسلسل الأفكار والأحداث وكذا من حيث علاقة الشخصيات ببعضها البعض.

وستبقى رواية ذاكرة الجسد رائعة بكل المقاييس سواءا صورت كمسلسل أو لم تصور فهي من الروائع الراسخة في الأدب الجزائري، فمن يعرف أحلام مستغانمي يعرف بالضرورة ذاكرة الجسد، إنها مزج تاريخي بين فترة الثورة التحريرية وفترة الإستقلال وكذا العشرية المظلمة التي عاشتها الجزائر في فترة التسعينات.

سناء الزاوي 

يومية الامة العربية 

27/11/2010         

 

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article